الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
408
مختصر الامثل
يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم » « 1 » . وفي هذه إشارة إلى إحدى الصفات الذميمة التي قد يبتلى بها كثير من الأفراد والشعوب ، إنّها صفة مدح الذات وتزكية النفس ، وادعاء الفضيلة لها . ثم يقول سبحانه : « بَلِ اللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاءُ » . فهو وحده الذي يمدح الأشخاص ويزكيهم طبقاً لما يتوفر عندهم من مؤهلات وخصال حسنة دون زيادة أو نقصان ، وعلى أساس من الحكمة والمشيئة البالغة ، وليس اعتباطاً أو عبثاً . ولذلك فهو لا يظلم أحداً مقدار فتيل : « وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا » « 2 » . وفي الحقيقة أنّ الفضيلة هي ما يعتبرها اللَّه سبحانه فضيلة لا ما يدعيه الإشخاص لأنفسهم انطلاقاً من أنانيتهم ، فيظلمون بذلك أنفسهم وغيرهم . في الآية اللاحقة التفوق العنصري ، ويعتبره نوعاً من الكذب على اللَّه والافتراء عليه سبحانه ، ومعصية كبرى وذنباً بيّناً إذ يقول سبحانه : « انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا » . أي أنظر كيف أنّ هذه الجماعة بافتعالها لهذه الفضائل وإدعائها لنفسها من ناحية ، ونسبتها إلى اللَّه من ناحية أخرى ، تكذب على اللَّه ، ولو لم يكن لهذه الجماعة أي ذنب إلّاهذا لكفى في عقوبتهم . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ( 51 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ( 52 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : قيل ، وهو قول أكثر المفسرين : إنّ كعب بن الأشرف خرج مع سبعين راكباً من اليهود إلى مكة ، بعد وقعة أحد ، ليخالفوا قريشاً على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله
--> ( 1 ) « يزكّون » : من مادة « تزكية » بمعنى تطهير ، وتأتي أحياناً بمعنى التربية والتنمية ، ففي الحقيقة إذا كانتالتزكية مقترنة بالعمل فإنّها تعتبر امراً محموداً ، وإلّا لو كانت مجرّد إدّعاء وكلام فارغ فهي مذمومة . ( 2 ) « الفتيل » : في اللغة بمعنى الخيط الدقيق الموجود بين شقي نواة التمر ، ويأتي كناية عن الأشياء الصغيرة والدقيقة جداً ، وأصله من مادة « فتل » بمعنى البرم .